عبق البادية. غمارٌ لا نهائي

لن يتنازل عن رحيل غرائبه ولن ينتسب إلى وغىً من عبقِ البادية الباردة ابنة الزمهرير وعاشقته
هو النّهر الصّافي ولونه شفّاف وطهارتُه طهارة السّعير عطرُه أزكاه القمح من هذه الأرضِ وهو الطّريد المُشرّد الضّائع الرّومانسي الطائع العاق القصيّ المُضحى به الفارّ، العليل المحللّ إلى ذراته الأساسية، وهو الشّابّ العاق العاصي المُمتنع المكوّن من عناصرِ اللا تراب هو لصّ الدّقيق وحرامي سُدد الأرامل، وصاحب نساءِ الملوك، وفيء المارّين، وشيخُ العرافين، وإمام المنافقين

إبن البادية …. سنتين علي الرحيل المرير .. بقلم: صلاح الباشا

وقبل عدة سنوات حينما أصدرت مطبوعتي الأولي في الفن السوداني الحديث ، أذكر أنني قد أفردت ثلاثة حلقات للتوثيق لمسيرة الراحل الفنان صلاح بن البادية من ضمن الكوكبة من الفنانين الي تضمنها الجزء الأول من السلسلة التي أخذت عنوان أهل الإبداع في بلادي وقد صدر الكتاب في القاهرة في العام 2000م حين كنت أعمل بدولة قطر مراجعا للحسابات بوزارة خارجية قطر ، ولا أنسي أن الأخ الشاعر والفنان والدرامي الكبير السر قدور هو الذي أشرف علي طباعة ذلك الكتاب الذي تم توزيعه بدول الخليج والقليل منه بالخرطوم … وسنقوم قريبا بإعادة نشر الحلقات التي كتبناها عن الفقيد صلاح بن البادية قريباً إن شاء الله.

7
غمارٌ لا نهائي
رحم الله الدكتور صلاح بن البادية وأكرم وفادته بجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين ، وأحسب أن صلاح من المتقين وهو المتبتل المادح والصوفي العميق والمحب لإنشاد الحبيب المصطفي عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم …
إبن البادية …. سنتين علي الرحيل المرير .. بقلم: صلاح الباشا
بريعِه العطريّ وقهقهاته البكر
إبن البادية …. سنتين علي الرحيل المرير .. بقلم: صلاح الباشا
وجهاً أَمْ برعماً لشبحٍ أَمْ سطتْ واقعاً من كرْبٍ أَمْ بعض من أصواتٍ تغوص في غمارٍ أَمْ تفاصيلِ مرحلةٍ من خامٍ أَمْ فيء عتمةٍ أَمْ نتوءات مستورة في عالمٍ مجنون، لا اختلاف! أما إذا تحدثنا علي المستوي الشخصي لعلاقاتنا بالراحل ابن البادية فإن الحديث هنا يكون ذو شجون ، لأنه يذكرنا بفقيدنا الراحل وفقيد الفن بودمدني الفنان الإنسان والإداري الناشط حسن الباشا مؤسس ورئيس إتحاد فناني الجزيرة وقد أشتهر بأداء كل أعمال إبن البادية وبذات طبقة صوته
إن الأثر الذي تركه ابن البادية في مسيرة الأغنية السودانية سيظل خالداً في سجلات التاريخ الإنساني السوداني ، فقد كان ظهور صلاح منذ العام 1959م يعتبر نقلة حقيقية في مسيرة الاغنية السودانية ، وقد إتخذ في الحانه تنوعات موسيقية جبارة ، وكان لا يستعجل إنتشار أعماله إلا بعد تجويدها تجويداً كاملاً يقنعه هو شخصياً قبل إطلاقها للجمهور عبر الاجهزة ، شأنه في ذلك شأن بقية زملائه من عمالقة الفن الجميل الخالد وهم كثر ُ فمن المعروف أن الموت أقرب إلي الانسان من حبل الوريد ، فهي لحظات إن جاءك الموت فيها فإنك تغادر هذه الدنيا إلي عالم آخر ، وهي تماثل تماماً حين تنتهي من قراءة صفحة في كتاب ثم تقلبها لتفتح الصفحة الأخري
لهذه البادية مأثرتها الغريبة ولغتها الصفراء ودربها الصافي الخالص وهو الشابّ الحنطي البشرة بعد ال لو يشتهي أنْ يعيش

إبن البادية …. سنتين علي الرحيل المرير .. بقلم: صلاح الباشا

.

2
غمارٌ لا نهائي
يريدُ أن يعيشَ ليعيشَ زمن الانهزامِ من غير أنْ يقرّ به أو ينكفئ عنه أو يفرّ منه أو يمكثَ فيه أو يطمح إليه أو يسمع له أو يُعانده
غمارٌ لا نهائي
كلّا، يشتهي أن يعيش
إبن البادية …. سنتين علي الرحيل المرير .. بقلم: صلاح الباشا
كتبنا عند رحيله المقال التالي : كم كان الخبر صادماً لنا … بل مثيرا للدهشة التي تعقد اللسان ، نعم إن رحيل صلاح بهذا الشكل الفجائي هومبعث الصدمة والدهشة معاً
إن رحيل إبن البادية بهذه السرعة وقد تجاوز الثمانين وكانت عافيته تنبيء بأنه موفور الصحة إلا من بعض متاعب خفيفة في القلب ألزمته السرير الابيض قبل عام أو أكثر ، هذا الرحيل قد أتي بعد أن ختم صلاح مشواره الفني في غناء كان Live بقاعة الصداقة في إحتفالية توقيع إتفاقية الحكم الانتقالي طبقاً للوثيقة الدستورية بين المجلس العسكري وقوي إعلان الحرية والتغيير ، حيث قام صلاح بن البادية بأداء أنشودته الوطنية الخالدة التي كتب كلماتها الشاعر الكبير الراحل مبارك المغربي والتي أخذت عنوان حب الأديم وتبدأ بكلمات ماعشقتك لي جمالك وإنت آية من الجمال والتي يخاطب فيها الوطن بكل جمالياته وأقاليمه وأنهاره وثرواته الطبيعية
يشتهي أنْ يستردّ رجولته، فيغتسلُ من الذّنْبِ حتى يعيش ومعركةُ الفارّين وتراجيديا المُشرّدين… يشتهي أن يعيش

إبن البادية …. سنتين علي الرحيل المرير .. بقلم: صلاح الباشا

لا مصدر له، فهو الأساس المتجذّر البعيد المحبوب الشفوق الثابت الأزلي المستتر وراء لغات وجهة كيوبيدية الأثر! يحشدُ صوته الخارس ويعبئه بالإقدام ليجسر على المغادرة صوب واد من سديم أحمر الحُبّ ضبابي القدّ، فيفوز في أن يجهّز مأدبة من مرحلة قادمة لزمن ليس الزمن ذاته.

23
إبن البادية …. سنتين علي الرحيل المرير .. بقلم: صلاح الباشا
يعتريه الحُزْنُ في هذا الزّمن، فيجلسُ في غُرفتِه المُعتمة منذُ زمنٍ منعزلاً ليعرفَ إلى متى سيظلّ الحُزْنُ جاثماً في عينيْه من استمرارِ ما يراه من اقترافِ الذّبح لأُناسٍ أبرياء مساكين، هم ضحايا لحكّامٍ يتنافسون على حُكمِ المنطقة، ويتملّك الفتورُ ويحتلّ النّوْم ويأسرُ الهُدوءَ ويختطفُ الضّعف، كي يقترفَ هلاكَه المؤجّل ويمطّه بعيداً عن كلمةِ الأنا، التي قدْ توبّخه وتزجرُه إلى مصادرِ الصّحو البدائية
إبن البادية …. سنتين علي الرحيل المرير .. بقلم: صلاح الباشا
إبن البادية …. سنتين علي الرحيل المرير .. بقلم: صلاح الباشا
ولذلك فإنني وعند إكمالي لمراسم زواجي وقد كنت وقتها مغترباً أعمل محاسبا مبتدئأ بمدينة جدة عقب تخرجي من الجامعة في العام 1974م وقد أتيت إلي السودان للزواج في مايو 1978م ببركات بودمدني ، فوجئت بأن أخي الراحل حسن الباشا قد تعاقد مع إبن البادية لإقامة الحفل ، مما جعلني أتعرف علي صلاح عن قرب ، ثم إمتدت علاقة الصداقة بيننا إلي 41 عام حتي رحيله بالأمس القريب